القائمون على نصرة القول بأن اللمس ينقض، والتعصب له، والذب عنه، من الفقهاء المحدثين: هم علماء الشافعية؛ والشافعي نفسه رضي الله عنه ذهب إلى هذا المذهب وقال به، ولكنه - فيما يبدو من كلامه - يفسر الآية بذلك على شيء من الحذر؛ وكأنه يتحرج من الجزم به، إذا لم يصل إليه حديث صحيح في الباب فإنه قال في الأم (1/ 12) بعد ذكر آية المائدة (فأشبه أن يكون أوجب الوضوء من الغائط وأوجبه من الملامسة؛ وإنما ذكرها موصولة بالغائط بعد ذكر الجنابة؛ فأشبهت الملامسة أن تكون اللمس باليد، والقبلة غير الجنابة: أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن أسلم عن عبد الله عن أبيه قال: قبلة الرجل امرأته وجسها بيده من الملامسة، فمن قبل امرأته وجسها بيده فعليه الوضوء. قال الشافعي: وبلغنا عن ابن مسعود قريب من معنى قول ابن عمر) .
فهذا التعبير من الشافعي وهو دقيق العبارة، ولا يلقى الكلام جزافًا؛ ولا يرسل القول إرسالًا؛ يقول [فأشبهت الملامسة أن تكون اللمس باليد] قد نفهم منه الحذر والتردد لأنه لم يجد عنده في الباب حديثًا مرفوعًا صحيحًا، وإنما وجد أثرًا صحيحًا عن ابن عمر، ووجد نحوه عن ابن مسعود، ووجد الآية تحتمل معنى قولهما، فاحتاط لذلك وفسر الآية على ما يوافق ما لديه من الأثر عن الصحابة.
(فائدة) ورد في الباب أيضًا حديثان صحيحان: الأول رواه الشيخان وغيرهما من طريق مالك عن أبي النضر عن أبي سلمة عن عائشة قالت: (كنت أنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلاى في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلى، وإذا قام بسطتهما قالت والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح) [فتح الباري 1/ 413، 485] قال الحافظ بن حجر (وقد استدل بقولها غمزني، على أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء، وتعقب باحتمال الحائل؛ أو بالخصوصية.
ومن البين الواضح أن هذا التعقب لا قيمة له، بل هو باطل، لأن الخصوصية لا تثبت إلا بدليل صريح، واحتمال الحائل لا يفكر فيه إلا متعصب!.