ومن هنا لم تعد اللغة العربية لغة التخاطب الرسمية فحسب، بل أصبحت لغة الدين .. اللغة التي نزل بها كلام الله .. وبلغ بها رسول الله رسالته .. وفسر بها نبي الله كلام مولاه. فقدسها القوم - عربًا وغير عرب .. وتمسك بها الخلفاء على مر العصور، يتفننون في أساليبها - خطابة ووعظًا وإرشادًا، واستنفارًا للحرب والجهاد في سبيل الله، بما وهبها الله من جمال الكلم، وجوامع الأغراض، إلى أن كتب الله لها أن تنتشر وتسود بقاع الأرض المفتوحة .. حتى لتقول المصادر - لقد كانت تسبق جموع الفاتحين، ونمهد لهم الطريق إلى قلوب الشعوب المفتوحة، فيدخلون في الإسلام تباعًا، نظرًا لجمال القول، وروعة الأسلوب، وسهولة المخارج.
ولقد أحس الموالي - فرسًا وغير فرس - بما فيها من جمال وما لها من جلال، فاتخذوها لغة رسمية دينية، وأهملوا لغتهم الأصلية، وتطالعنا المصادر الأدبية القديمة - أن الموالي هم الذين كانوا يتولون الدفاع عن اللغة العربية، لغة الدين الجديد، ويتخذون منها وسيلة لفهم كتاب الله وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم لفهم أدب العرب وأشعارهم .. وتقول المصادر أيضًا: إن الموالي نبغوا وفاقوا العرب أنفسهم في هذا المجال، وكان أن وضعوا القوانين وحددوا القواعد العربية خدمة للدين والقرآن الكريم، وما كان ذلك إلا لجمال أسلوبها، وغزارة مضمونها، واستيفائها بكل الحاجات العلمية، وكل القيم الدينية.
وهكذا كان للغة العربية مكانتها منذ العصور القديمة، لم يستطع أن ينال منها أحد، ولم يجرؤ على طعنها أحد، حتى الشعوبيين والزنادقة والملحدين.