فما اختلف الناس وما تفرَّقوا إلا لبعدهم عن الدين الحق الذي كان عليه أبوهم آدم والذي جاءت به جميع الأنبياء والرسل، فكانت دعوتهم جميعًا: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، قال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) [سورة النحل / 36] ، وقال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) [سورة الأنبياء / 25] ، فالبعد عن هذا المنهج يؤدي إلى تقطيع الأواصر والروابط حتى الأرحام، كما قال تعالى: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ) [سورة محمد / 22] .
فالرابطة الحقَّة التي يجب أن يتفيأ ظلالها الناس ما هي إلا رابطة الإيمان، فالإيمان هو وحده الذي يجمع الناس ويصهرهم في بوتقة واحدة: تصور واحد، ونهج واحد، وعبادة واحدة، ودعوة واحدة، إنه سبيل الله الذي تجتمع حوله القلوب والعقول والأرواح لتقوم عليه جماعةُ الإيمان كأُمَّةٍ واحدة، كما قال تعالى: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) [سورة الأنبياء: 92] ، وقال تعالى: (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ) [سورة المؤمنون / 52] ، وأي انحراف في التصور أو النهج أو العبادة، وإطاعة الهوى والشهوات والوقوع في الشبهات يؤدي إلى الانحراف عن هذا السبيل الأوحد، فقد خطَّ النبي صلى الله عليه وسلم بيده خطًّا ثم قال: (هذا سبيلُ الله مستقيمًا) ، ثم خطّ من يمينه وشماله، ثم قال: (هذه السُّبل، ليس منها سبيلٌ إلا عليه شيطان يدعو إليه) ثم قرأ (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ) [رواه أحمد والنسائي في سننه الكبري).