فمن لم يقدر على الحج فإنه يقدر على أن يعمل في العشر عملًا يفضل على الجهاد، وذلك لحديث ابن عباس، رضي الله عنهما، الثابت في (صحيح البخاري) ، حيث يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: (ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام) ، يعني أيام العشر الأول من ذي الحجة، قالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: (ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء) ، فدل هذا الحديث على أن العمل الصالح في العشر الأُول من ذي الحجة أفضل من الأعمال في غيرها؛ لأنها من أفضل الأيام وأكرمها، وهي أيام الحج والمناسك، وقد أقسم الله تعالى بها كما تقدم ذكره.
وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (ص112) من (الاختيارات الفقهية) ، (زاد المعاد) (1/ 75) عن عشر ذي الحجة والعشر الأواخر من رمضان أيهما أفضل؟ فأجاب بقوله: أيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام العشر من رمضان، والليالي العشر الأواخر من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة.
قال الحافظ ابن القيم: وإذا تأمل الفاضل اللبيب هذا الجواب وجده شافيًا كافيًا، فإنه ليس من أيام العمل فيها أحب إلى الله من أيام عشر ذي الحجة، وفيها: (يوم عرفة، ويوم النحر، ويوم التروية) ، وأما ليالي عشر رمضان فهي ليالي الإحياء التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحييها كلها، وفيها ليلة خير من ألف شهر، فمن أجاب بغير هذا التفصيل لم يمكنه أن يدلي بحجة صحيحة.
قلت: فيا عبد الله عليك أن تشمر في الطاعة فتهتم في كل أيام عمرك عامة، وفي هذه العشر خاصة، بطلب العلم الشرعي، والعمل به، وتبليغه، والصبر على الأذى في تبليغه، والمحافظة على الصلوات الخمس في جماعة بالصف الأول مع إدراك تكبيرة الإحرام وختام الصلاة بالذكر المشروع، وعليك أن تكثر من إفشاء السلام، وإطعام الطعام، وصلة الأرحام، والصلاة بالليل والناس نيام، ولا تنس ركعتي الضحى وسائر الأعمال الصالحات.