فليس هناك عقل من هذه العقول يتحد مع عقل آخر في قول أو رأي، بل هم مذاهب متناحرة، ينقض هذا ما يثبته الآخر. ويرجح هذا ما يضعفه الآخر ... ولو ذهبنا لعدد المذاهب التي نتجت عن هذه العقول لطال بنا الوقت ولو استطاعت العقول وحدها أن تستقل بالدين لما أرسل الله الرسل ولا أنزل الكتب ... ولوكَّلَ الناس إلى عقولهم وأمزجتهم يختارون ما يناسبها ...
وأما قول الله تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) فليس معنى الآية أن الله حفظ لفظ القرآن فقط، فالذكر أعم من ذلك ... وإنما معناه أن الله تكفل بحفظ دينه قرآنا وسُنّة لا أنه حفظ القرآن دون السُّنَّة يقول الله تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) فالذكر هو علم النبوة قرآنًا وسُنّة، وقد حفظه الله بعلماء هذه الأمة الاقئمين بالحق ثم خبرونا: ما أنتم؟ وعلى أي ملة تسيرون؟ إن كنتم على طريق المؤمنين فليسعكم ما وسع المؤمين من سلف هذه الأمة، ومن تبعوهم، وما أجمعوا عليه في هذا الأمر فإنهم كانوا أصح منكم إدراكًا، وأطهر قلوبًا، وأذكى عقولا، وأعمق علمًا ... وهم الذين حملوا إلينا علم النبوة قرآنًا وسُنّة، وعن إجماعهم وتطابقهم علمنا أن ما بين دفتي المصحف الذي نقرؤه هو كلام الله، ولا تشذوا عن هذا الإجماع فإنما يأكل الذئب الشاة القاصية ...
وأما إن كان لكم سبيل غير سبيل المؤمنين فاسمعوا ما قال الله في أمثالكم: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرًا) ونحن لكم بالمرصاد وسنكشف للناس عواركم وضلالكم والله المستعان ... ونكتفي الآن بهذا القدر حيث طالب بنا الكلام. ولنا عودة إلى البحث نستكمله إن شاء الله في أعداد مقبلة.