ولهذا يجب التفكير في سبب تخلف هذا النصر عن المؤمنين طيلة هذه السنين في قوله: (وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِين) [الروم: 47] ، ولن يخلف الله وعده، وإن تخلف هذا النصر هو من أجل تخلف إصلاح الأحوال والأعمال، فتسلط الأعداء عليهم في حال تقصيرهم بواجبات دينهم وعدم استعدادهم بالقوة لمجابهة عدوهم، ثم وقوع الفتن والعداوة والبغضاء بين حكام المسلمين وزعمائهم؛ حتى صار بأسهم بينهم شديدًا؛ مما أوجب تشتيت شملهم وذهاب حولهم وقوتهم، ولن تقوى صولة الباطل وتعظم شوكته؛ إلا في حالة رقدة الحق وغفلته عنه، فإن انتبه له هزمه بإذن الله: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ) [الأنبياء: 18] ، غير أن الشيطان يخوف ويخذل ضعفة الإيمان، ويعظم شأن أعدائهم في نفوسهم، مما يدخل الرعب والرهب في نفوسهم منهم، يقول الله تعالى: (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) [آل عمران: 175] . أي: يخوفكم بأوليائه ويعظمهم في نفوسكم.
ومن هذا التخويف ما وقع في قلوب أكثر الناس من شدة خوفهم من اليهود وتعظيمهم في نفوسهم، حتى يظنوا أنهم لن يغلبوا لشدة كيدهم ومكرهم، وتوفر وسائل القوة لديهم، وقد غزوا قلوب أكثر الناس بالرعب والرهب.