فهرس الكتاب

الصفحة 7585 من 18318

فالذي عليه دلالة الحديث وإجماع الأئمة، أن الشك في الحدث مطروح ترغيمًا للشيطان وقطعًا لسبله على المصلين، ولذلك فلقد أخرج الحاكم عن أبي سعيد، رضي الله عنه، مرفوعًا: إذا جاء الشيطان فقال: إنك أحدثت فليقل: كذبت.

وأخرج ابن حبان في (صحيحه) عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا جاء الشيطان فقال: إنك قد أحدثت فليقل في نفسه: كذبت حتى يسمع صوتًا بأذنه أو يجد ريحًا بأنفه) .

وقال عبد الله بن المبارك: إذا شك في الحدث فإنه لا يجب عليه الوضوء حتى يستيقن استيقانًا يقدر أن يحلف عليه، وسأل رجل سعيد بن المسيب فقال: إني لأجد البلل وأنا أصلي فأنصرف؟ فقال سعيد: لو سال على فخذي ما انصرفت حتى أقضي صلاتي.

فانظر لما لمس ابن المسيب من الرجل كثرة وسوسة الشيطان وتلبيسه عليه عالجه بذلك القول ولم يقصد ابن المسيب، رحمه الله، أنه تيقن الحدث، فالشكوك غير مؤثرة في العبادة ولو كثرت، وكذلك لا تؤثر الشكوك إذا وقعت بعد العبادة، فلا يلتفت إليها إلا بيقين.

ففي حديث أبي هريرة عند البخاري ومسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بالناس ركعتين، ثم سلم - أي في صلاة رباعية - فقال ذو اليدين: يا رسول الله أنسيت أم قصرت الصلاة؟ قال: (لم أنس، ولم تقصر) . فقال: (أكما يقول ذو اليدين؟) . فقالوا: نعم، فتقدم فصلى ما ترك ثم سلم.

فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقم للصلاة حتى تيقن الخطأ؛ لأن الشك بعد العبادة غير مؤثر.

فحديث الباب دفع للوسواس والمبالغة في دفع الشك عن القلب، وفي الحديث: (حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا) . قال الخطابي: معناه: حتى يتيقن الحدث لا أن سماع الصوت أو وجود الريح شرط، فإنه قد يكون أصم لا يسمع الصوت، ويكون أخشم لا يجد الريح، وينتقض طهره إذا تيقن الحدث، والحديث دليل على أن الريح الخارجة من أحد السبيلين يوجب الوضوء، قال أصحاب الرأي: خروج الريح من القبل لا يوجب الوضوء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت