ذكر ابن الجوزي في كتابه (الوفاء بأحوال المصطفى) (1/ 235، 236) في خبر خروج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إلى الشام في تجارة لخديجة: عن نفيسة بنت منبه قالت: لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، خمسًا وعشرين سنة قال له أبو طالب: أنا رجل لا مال لي، وقد اشتد الزمان علينا، وهذه عير قومك قد حضر خروجها إلى الشام، وخديجة بنت خويلد، تبعث رجالًا من قومك في عيراتها، فلو جئتها، فعرضت نفسك عليها لأسرعت إليك.
وبلغ خديجة ما كان من محاورة عمه له، فأرسلت إليه في ذلك، وقالت: أنا أعطيك ضعف ما أعطي رجلًا من قومك، فقال أبو طالب: هذا رزق ساقه الله إليك، فخرج مع غلامها ميسرة، وجعل عمومته يوصون به أهل العير، حتى قدموا بصرى من أرض الشام، فنزل في ظل شجرة، فقال نسطورًا الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة قطّ إلا نبي، ثم قال لميسرة: أفي عينيه حمرة لا تفارقه؟ قال: نعم، قال: هذا نبي وهو آخر الأنبياء، ثم باع سلعته، فوقع بينه وبين رجل تلاح، فقال له: احلف باللات والعزى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم،: (ما حلفت بهما قط، وإني لأَمُرُّ بهما، فلا ألتفت إليهما) . فقال الرجل: القول قولك، ثم قال لميسرة: هذا والله نبي، تجده أحبارنا منعوتًا في كتابهم.
وكان ميسرة إذا كان الهاجرة واشتد الحر، يرى ملكين يظلان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، من الشمس، فوعى ذلك كله ميسرة، وباعوا تجارتهم وربحوا ضعف ما كانوا يربحون، ودخل مكة في ساعة الظهيرة، وخديجة في عُلّيَة لها، فرأت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو على بعيره، وملكان يظلانه من الشمس، فأرته نساءها فعجبن لذلك.
ودخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخبرها بما ربحوا في وجوههم، فسرّت بذلك، فلما دخل عليها ميسرة أخبرته بما رأت، فقال: قد رأيت هذا منذ خرجنا من الشام، وأخبرها بما قال الراهب نسطورا وبما قال الآخر الذي خالفه في البيع.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.