يقول الله جل ثناؤه: إن اليهود المتحدَّث عن وصفهم وحالهم في عظيم الكفر والبغي وتحجر القلوب ونجاسة النفوس يزعمون، مع هذا كله، أنهم على شيء من العلم والإيمان بالتوراة التي أنزلها الله، وذلك في الواقع دعوى باطلة، وأنهم في الحقيقة أشد الناس كفرًا بالتوراة وبكل ما أنزل الله من الهدى والحق على موسى وعلى من بعده من أنبياء بني إسرائيل وغيرهم عليهم السلام؛ وأن دينهم إنما هو ما تهوى نُفوسهم مما شرعه لهم أحبارهم ورؤساؤهم مما لم يأذن به الله، والعصبية لأولئك الأحبار وتقليدهم تقليدًا أعمى، لا يصدر إلا عن قلب يَعتقد لأولئك الشيوخ العصمة من الخطأ وأنهم لا ينطقون إلا عن وحي يُوحى، وقد أفسد هذا التقليد الأعمى والعصبية للأحبار والشيوخ واتباع ما تهوى أنفسهم، أفسد كل ذلك فطرهم ونكس قلوبهم، حتى صاروا لا يعرفون الحق إلا من قول أحبارهم وشيوخهم مهما قام الدليل القوي والحجة القاطعة على فساده وبطلانه وأنه رجم بالغيب ووحي الشيطان، وصار كل ما لم يقله أحبارهم وشيوخهم باطلًا مردودًا مهما قام البرهان القاطع والحجة القوية على أنه الحق من عند الله، مع أن القاعدة المعقولة والفطرة السليمة أن يُعرف الرجال بالحق لا أن يُعرف الحق بالرجال، فجعلوا هم بفطرتهم الفاسدة الحق تابعًا لأهوائهم، يدور معها حيثما دارت؛ فأفسدوا بذلك كل شيء، قال الله تعالى: (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنّ) [المؤمنون: 71] .