وبهذه الفطرة المعكوسة والقلوب المنكوسة حرفوا كلام الله عن مواضعه، وزاغوا به عن سبيله المستقيم إلى طريق هواهم المعوج؛ وكلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم كذبوه وقتلوه، إن استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، حتى كان خاتم المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم، جاءهم بالحق مصدقًا للتوراة التي بأيديهم عن موسى، عليه السلام، والتي يزعمون أنهم مؤمنون بها، والتي أخذ الله فيها العهد عليهم أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، ويعزروه وينصروه، وإلا كان ذبحهم على يده ويد أتباعه، فلما جاءهم من كل ذلك ما عرفوا كفروا به، لا جهلًا بحقيقة صدقه ولا اشتباهًا في حقيقة أمره، ولكن حسدًا من عند أنفسهم، جريًا على طريقتهم مع كل رسول يجيئهم بما لا تهوى أنفسهم - ومحال أن يرسِل الله رسولًا بما تهوى أنفسهم، أو بما تهوى أنفس غيرهم - تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا: (الَّذِينَءَاتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) [البقرة: 146] .
ولقد كانوا مع هذا يتظاهرون بسمة العلم ويراءون الناس بتكلف التدين، والتشديد في تحريم بعض الأطعمة وغيرها ليخدعوا الناس عن فسوقهم وتمردهم على كل دين، ويوهموهم أنهم على شيء، وهم ليسوا على شيء.
ولقد كان العرب في الجاهلية ينخدعون بذلك ويعتقدون أن اليهود على شيء من الدين، فكان كثير من أهل المدينة وغيرهم يقلدونهم في كثير مما يزعمونه دينًا من صيام وغيره، فلما جاء الإسلام فضحهم الله شر فضيحة، وكشف عن مخازيهم، وأبدى للناس سوآتهم، فمقتوهم أشد المقت، وهم على ذلك إلى اليوم وإلى آخر الدهر.