وفي هذه الآية التي نحن بصدد تفسيرها يفضح الله دعواهم الزائفة، ويكشف عما وراء تشدقهم بالعلم والدين، ويدمغهم بميسم البهت والفجور: أنهم إذا دُعوا إلى الحق الذي أنزله الله، والذي أقام عليه الحجة حتى أيقنوا أنه حق من عند الله، وحتى اعترفوا بألسنتهم أنه من عند الله لا شك في ذلك، إذا دعوا إلى الإيمان بهذا الحق قالوا: هذا الحق ليس لنا إنما هو لغيرنا ولمن على غير مبدئنا وطريقتنا، وعندنا نحن من علم شيوخنا ما فيه غناء لنا عن هذا الحق، وإذا نَقَصَنَا شيء من العلم فلن نأخذه إلا من واحد يكون منا وعلى مبدئنا وطريقتنا، وإذا لم نجده الآن فخير لنا أن نبقى على هذا النقص، ولا نأخذه من نبي أمي إنما أرسل للأميين.
روى الإمام أحمد والنسائي عن صفوان بن عسال، رضي الله عنه، قال: قال يهودي لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا النبي، قال له صاحبه: لا تقل: نبي، لو سمعك كان له أربعة أعين. فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألاه عن تسع آيات بينات، فقال لهم: (لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تقذفوا المحصنة، ولا تولوا يوم الزحف؛ وعليكم خاصة يهود: ألا تعدوا في السبت) . فقَبَّلوا يديه ورجليه، وقالوا: نشهد أنك نبي، قال: (فما يمنعكم أن تتبعوني؟) . قالوا: إن داود دعا بأن لا يزال من ذريته نبي، وإنا نخاف إن اتبعناك أن تقتلنا يهود.