فأهل الكتاب يعرفون أن محمدًا صلى الله عليه وسلم نبي حقًّا، نزل عليه الحق من ربه كما نزل على موسى، عليه السلام، واستثبتوا من ذلك بعدة امتحانات وأسئلة أوردوها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانوا يقصدون بها تعجيزه، فينزل جبريل عليه بالجواب، فلا يسعهم عندئذ إلا الاعتراف بأنه رسول الله، وبذلك تلزمهم الحجة فيحاولون التملص منها بقولهم: (نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا) [البقرة: 91] ، وهم في الواقع لا يؤمنون بالمُنَزَّل من عند الله على موسى، فإن الذي يؤمن بما نَزَّل الله على موسى حقيقة لابد أن يؤمن بكل ما ينزل الله على من بعد موسى، لأن مقتضى الإيمان في الجميع واحد، وهو أنه من عند الله، فقول الله: (وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَه) [البقرة: 91] ، أي بما سوى ما عندهم من العلم، بيان لغلبة الهوى والعصبية عليهم؛ وتحقيق لكذبهم في دعوى الإيمان بما أنزل من عند الله، وأن كفرهم هذا بكل ما أنزل الله بعد التوراة ينطوي على دعوى الحجر على الله سبحانه أن ينزل شيئًا من العلم والدين بعد التوراة، وذلك أعظم البهتان والفجور.