ومريم عليها السلام التي رأت آيات الله من قبل في طعام المحراب قد سارعت إلى امتثال أمر الله بهز الجذع، ولم تقل: أني يكون لي رطب، كما قالت من قبل ذلك: (أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَد) !! ومع أنها لم تؤمر في المحراب أن تأخذ بالأسباب في حال صحتها، فقد أمرت أن تأخذ بأسباب تحصيل الرزق في مرض ولادتها؛ وهو تنبيه لطيف على أن الله قادر على أن يرزق العبد بغير سبب ولا تعب؛ كما فعل بمريم عليها السلام في محرابها، وهو سبحانه قادر على أن يرزق عبده المريض ومن عجز عن الأخذ بالأسباب كاملة؛ فيسوق إليه رزقه بأضعف الأسباب، كما فعل بمريم عليها السلام في ولادتها؛ وأي أثر تحدثه يد امرأة في غاية الضعف عند ولادتها؛ في جذع نخلة قوي يعجز عن تحريكه الرجل القوي!! بل الجمع من الرجال!!
فلما أطاعت أمر ربها أراها الآية الكبرى، وأظهر لها بركة الطاعة، وثمرة الخشوع والخضوع لله رب العالمين؛ قال القرطبي في تفسيره لهذه الآية: قال ابن عباس رضي الله عنهما: (كان جذعًا نخرًا، فلما هزّت نظرت إلى أعلى الجذع، فإذا السعف قد طلع، ثم نظرت إلى الطلع قد خرج من بين السعف، ثم اخضرّ! فصار بلحًا، ثم أحمرّ فصار زهوًا! ثم رطبًا! كل ذلك في طرفة عين، فجعل الرطب يقع بين يديها لا ينشرخ فيه شيء) .
ومن المعلوم أن النخلة الأنثى لا تثمر إلا بعد انتقال اللقاح إليها من شجرة نخل أخرى هي الذكر سواء انتقلت حبوب اللقاح بفعل الرياح، أو الإنسان أو غير ذلك، كما أن النخلة تحتاج إلى زمن تثمر بعده الرطب يصل إلى قريب من ستة أشهر، إذن هنا جذع نخلة قد صار في لحظة نخلة مثمرة بغير زمن ولا تلقيح من ذكر!! فلما رأت مريم عليها السلام هذه الآية من ربها أيقنت أن الله سبحانه قد ساقها لها لتكون جوابًا عمليًا على سؤالها السابق لجبريل عليه السلام: (أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا) [مريم: 20] ؟
النخلة في السُنة: