فهرس الكتاب

الصفحة 7799 من 18318

وبعد أن ابتعدتُ عن المشاغل الرئيسية، ومنها سلك القضاء، تاقت نفسي للاطلاع على ما كتب عن تاريخ البلد الحرام، في القديم وفي الحديث، ويسر الله لي الوقوف على صورة من مخطوطة كتاب (أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه) للإمام محمد بن إسحاق الفاكهي المكي المتوفى في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، ويسر الله لي تحقيق هذا الكتاب، وخدمته خدمة تليق به، فخرج هو وملاحقه وفهارسه في ستة مجلدات، ولله الحمد والمنة، عاد الشوق يحدوني من جديد لمعرفة مواضع حدود الحرم المكي الشريف، والوقوف عليها، واشتدت رغبتي في ذلك، وأخذ الحماس لهذا الأمر يزداد يومًا بعد يوم كلما تعمقت في دراسة المباحث الجغرافية التي ذكرها الفاكهي في كتابه، وكان من منهجي في تحقيق كتاب الفاكهي؛ أن لا أدع موضعًا ذكره في البلد الحرام وعرفه إلا وقفت عليه ووصفته وصورته، وعرفت اسمه الجديد، وما لم أعرفه من هذه المواضع، سألت عنه أهل الخبرة واستصحبت من يدلني للوقوف عليه، ولذلك فقد قمت بعشرات الرحلات للتطواف على هذه المواضع وتصويرها، وربط حاضرها بماضيها، قدر المستطاع، وسخرت كل إمكاناتي المادية والأدبية لتحقيق ذلك، وكان مما ذكره الفاكهي مواضع صرح أنها من حدود الحرم، جبال وثانيا وأراض منبسطة، وغير ذلك، وقد صرح أيضًا أنه توجد أعلام للحرم على هذه المواضع، فكنت أذهب بشغف ولهفة إليها، وأتسلق الجبال، وكم تكون فرحتي غامرة وشديدة عندما أجد تلك الأعلام التي ذكرها الإمام الفاكهي، وكم تكون فرحتي أشد وأكثر عندما أجد على هذه الأعلام آثار النورة البيضاء القديمة (1) .

ولقد كانت هذه الفرحة تنسيني التعب والمشقة في تسلق العالي من الجبال.

هذا وقد استدرجني كتاب الفاكهي إلى هذا الموضوع، أكثر من ذي قبل، ولقد وافق هذا الاستدراج رغبة متأصلة في قلبي منذ زمن بعيد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت