وظل هذا المفهوم سائدًا، إلى أن كانت الفتنة التي أعقبت مقتل عثمان، رضي الله عنه، ونشبت الحرب بين معسكر علي ومعسكر عائشة، رضي الله عنها، فيما يسمى بموقعة الجمل، فظهر الاعتزال كموقف سلبي من ناحية عدم وجود نسق فكري إيجابي من ناحية احترام الدين والالتزام بقواعده؛ حيث اعتزل كثير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الفتنة مثل؛ الأحنف بن قيس (3ق هـ - 72هـ) ، (508 - 683م) ، وعبد الله بن عباس، وغيرهم كثير، وكانوا في موقفهم هذا أكثر حرصًا على عدم التورط في موقف يبعدهم عن جوهر الإسلام وحكمته.
إلا أن الأمر لم يستمر على هذا النحو؛ وإنما أخذ شكلًا آخر على يد واصل بن عطاء (80 هـ - 131، 699 - 748 م) ، وزميله وتلميذه عمرو بن عبيد (80 هـ - 144 هـ) ، حينما اعتزلا مجلس الحسن البصري (توفي 110 هـ) ، واعتزلا قول الأمة على الحكم في مرتكب الكبيرة؛ حيث اتخذ الاعتزال نسقًا فكريًا يعتمد على مقولات عقلية وتصورات ذهنية أشبه بالقضايا المنطقية الصورية، وكان ذلك بداية المنزلق الخطر الذي جنح بالمعتزلة عن قواعد الدين الصحيح.
وسنعرض فيما يأتي مختلف الآراء والاتجاهات التي دارت حول المفهوم الاصطلاحي للفظ، معقبين على كل منها في نهاية العرض.
لقد تعددت الآراء حول أصل كلمة الاعتزال، حيث ذهب المؤرخون مذاهب شتى؛ منهم من يرى أن التسمية ترتبط بالظروف السياسية، ومنهم من يرى أنها ترتبط بلون من ألوان الزهد والعبادة والتقشف والعزوف عن الحياة الدنيا، وآخرون يؤكدون أنها تتعلق بموقف ديني له أبعاد سياسية وبقضية جدلية أثيرت في مجلس الحسن البصري، ويهمنا أن نعرض لكل تلك الآراء معقبين عليها باحثين عن الحقيقة فيها.