قال في (الفتح) : فالزبير خشي من الإكثار أن يقع في الخطأ وهو لا يشعر؛ لأنه وإن كان لم يأثم بالخطأ لكن قد يأثم بالإكثار، إذ الإكثار مظنة الخطأ، والثقة إذا حدث بالخطأ فحمل عنه وهو لا يشعر أنه خطأ يعمل به على الدوام للوثوق بنقله فيكون سببًا للعمل بما لم يقله الشارع، فمن خشي من الإكثار الوقوع في الخطأ لا يؤمن عليه الإثم؛ إذا تعمد الإكثار، فمن ثم توقف الزبير وغيره من الصحابة عن الإكثار من التحديث، وأما من أكثر منهم فمحمول على أنهم كانوا واثقين من أنفسهم بالتثبت، أو طالت أعمارهم، فاحتيج إلى ما عندهم، فسئلوا فلم يمكنهم الكتمان، رضي الله عنهم. (انتهى) .
ومع أن أنس بن مالك، رضي الله عنه، من المكثرين، إلا أن رواية البخاري عنه؛ إنه ليمنعني أن أحدثكم حديثًا كثيرًا؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من تعمد عليَّ كذبًا فليتبوأ مقعده من النار) ، فكأنه كان لا يحدث إلا ما تحققه ويترك ما يشك فيه، وأن سبب الإكثار تأخر وفاته وسكناه العراق، حيث قل الصحابة بها.
وإكثار الصحابي من الحديث قد يرجع إلى طول العمر بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم؛ خاصة بعد وفاة كثير من الأصحاب، أو يرجع إلى اشتغالهم بالإمارة والقضاء والفتيا أو التعليم فيكون التحديث شغلهم وعملهم، أو يرجع إلى سكناه بعض البلاد التي يعز فيها الأصحاب.
قال البغوي: اعلم أن الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم أعظم أنواع الكذب بعد كذب الكافرين على الله - وذكر الحديث، ثم قال: ولذلك كره قوم من الصحابة والتابعين الإكثار من الحديث خوفًا من الزيادة والنقصان والغلط فيه، ثم عدد البغوي بعض صور قولهم لما هابوا ذلك، مثل قولهم: يرفعه أو يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ينسب القول للصحابي ويقول: الكذب عليه أهون. (انتهى بتصرف) .