ومعنى: (فليتبوأ) ؛ أي يختار، فكما قصد في الكذب التعمد فليقصد بجزائه التبوأ من النار، وهو أمر بمعنى الخبر تهديدًا لمن تعمد الكذب، وقد يكون للتهكم منه، وقد يكون الأمر بمعنى الدعاء، أي بوأه الله ذلك يدعو عليه، وقوله: (فليتبوأ) تفيد طول الإقامة، والأدلة القطعية على أنه لا خلود في النار إلا للكافرين.
قال النووي: معنى الحديث أن هذا جزاؤه، وقد يجازى به، وقد يعفو الله الكريم عنه، ولا يقطع له بدخول النار، وهكذا سبيل كل ما جاء من الوعيد بالنار لأصحاب الكبائر غير الكفر، فكلها يقال فيها هذا جزاؤه، وقد يجازي، وقد يعفى عنه، ثم إن جوزي وأدخل النار فلا يخلد فيها؛ بل لابد من خروجه منها بفضل الله تعالى ورحمته، ولا يخلد في النار أحد مات على التوحيد، وهذه قاعدة متفق عليها عند أهل السنة. (انتهى كلام النووي، رحمه الله تعالى) ، وهو كلام نفيس، فتدبره بحكمة وعقل، واحذر أن تتعلق برجاء العفو تعلقًا يهون عليك معصية من المعاصي، فإن العفو له أسباب، وإن أهل الصالحات يحبهم مولاهم، فيعفو عن أخطائهم، ويتجاوز عن سيئاتهم، أما من تعلق بالعفو بغير عمل فمثله: (كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ) [الرعد: 14] ، والذي يظن أن العفو سيناله بغير عمل صالح ينبغي أن يراجع إيمانه بربه وتوحيده له فيخشى ألا يكون من أهل التوحيد، فيكون من أهل الادعاء، نطق بلسانه، ولا حقيقة له في قلبه، فمن استشعر ذلك عاش بين الخوف والرجاء.