أيها السادة؛ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس الإيمان بالتمني، ولكن ما وقر في القلب وصدقته الأعمال) (1) ، إن الإيمان الذي يقبله الله تعالى والذي من أجله أرسل رسوله محمدًا والنبيين من قبله ليس كلمة ينطق بها اللسان، ولا رسومًا وتقاليد، ولا مظهرًا يظهر به الإنسان أمام الناس، ولا عاطفة تتأثر بما يحيط بالمرء من ظروف وملابسات، ولكنه عقيدة راسخة في القلب، سارية في الفؤاد تحمل صاحبها على فعل الخير والابتعاد عن الشر، الخير الذي اعتبره الله ورسوله خيرًا، والشر الذي اعتبره الله ورسوله شرًا، والخير بهذا التحديد يشتمل على كل ما أمر الله ورسوله به، والشر بهذا التحديد يشتمل على كل ما نهى الله ورسوله عنه، فمن شاء أن يعرف حقيقة نفسه أمؤمن هو أم غير مؤمن، فليبحث في قرارة نفسه عن هذه العقيدة الراسخة التي لا تزعزعها الأهواء ولا تذهب بها العواطف، فإن وجدها، فإن عليه أن يبحث بعد ذلك مرة أخرى في قرارة نفسه هل تحمله هذه العقيدة على إتيان الخير ما استطاع إليه سبيلًا، وإن وقف في وجهه شياطين الإنس والجن جميعًا، وهل تحمله على ترك الشر وإن أغراه شياطين الإنس جميعًا، فإن وجدها تؤثر فيه هذا الأثر فليعتقد في نفسه أنه مؤمن وأنه محب لله ولرسوله، وليحمد الله على هذه النعمة، وليعض عليها بالنواجذ، وإن رأى في نفسه أنه قد ينصرف عن الخير إن صرفه صارف مع القدرة عليه، وأنه قد يأتي الشر إذا حمله عليه حامل من رغبة أو رهبة أو غير ذينك، فليعلم أنه ليس بمؤمن وأنه يكره الله ورسوله، وإن ادعى لنفسه أنه يحب الله ورسوله، وإن زعم لنفسه أنه من أخلص المسلمين، فإن هذا الحب الذي يدعيه لنفسه ليس هو الحب الذي طالبه به الله ورسوله، وإن تلك الظواهر والرسوم ليست مما يحبه الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنها ليست من دينه الذي أرسله الله به.
تعصي الإله وأنت تظهر حبه
هذا لعمرك في القياس شنيع
لو كان حبك صادقًا لأطعته