والجواب على ذلك أن أبا بكر - رضي الله عنه - لم يستبدل عقوبة الضرب بالسياط لشارب الخمر إلى الضرب بالنعال؛ لأنه لم تكن بالأصل هناك عقوبة مقررة وثابتة، فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم حد شارب الخمر مرة بضربه بالسياط ومرة بضربه بالنعال، والضرب بهما كان غير مقدر بحد، وإذا كانت هناك رواية للنسائي حدد فيها الضرب بأربعين، فإن الطحاوي قد ضعف هذه الرواية، ولقد استدل العلماء في ذلك بما أخرجه عبد الرزاق عن الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفرض في الخمر حدًا، وإنما كان يأمر من حضره بأن يضربوه بأيديهم ونعالهم، حتى يقول لهم: ارفعوا، وأخرج أبو داود والنسائي بسند قوي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوقت في الخمر حدًا.
وأما الاستدلال الثاني بأن عمر أبطل قطع يد السارق في عام الرمادة، فهو استدلال يحتاج إلى مراجعة، فإن عمر - رضي الله عنه - لم يبطل حد السرقة في عام المجاعة، وإنما أوقفه لوجود شبهة الحاجة، وقد وافقه الصحابة على ذلك، ومنهم الفقهاء وأهل العلم والفتوى، بل إن الحد - هنا - لم يجب أصلا لعدم استيفاء كل أركانه وشروطه.
وعمر - رضي الله عنه - في ذلك قد سار على قاعدة: درء الحدود بالشبهات، ولقد روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب) .
وعن بسر بن أرطأة أنه قال: (نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القطع في الغزو) ، بل كان الصحابة - رضوان الله عليهم - يلقنون صاحب الحد ما يسقط به الحد عليه، وكل ذلك يدل على أن الحدود في الإسلام جاءت زواجر ووقاية للمجتمع، ودرءًا للمفاسد التي قد ينتج عنها انهيار المجتمع كله.
(1) [السلسلة الصحيحة: 1638] .
(2) [ضعيف الجامع: 259] .