أسوة حسنة، وأسوة سيئة، فالأسوة الحسنة في الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن المتأسي به سالك الطريق الموصل إلى كرامة الله، وهو الصراط المستقيم، وأما الأسوة السيئة فهي الأسوة بغيره إذا خالفه، كقول المشركين إذا دعوا للتأسي بالرسول: (إِنَّا وَجَدْنَاءَابَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىءَاثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ) [الزخرف: 22] (2) .
والتأسي بالرسول صلى الله عليه وسلم نعمة من الله ورحمة يختص بها من يشاء من عباده؛ ولذلك قال: (لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) ، والتأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكون في جانب دون جانب، ولا ناحية دون ناحية، ولا يكون في الدين دون الدنيا، بل التأسي به صلى الله عليه وسلم واجب في الدين والدنيا، والعبادة والمعاملة، والأخلاق والآداب، والسلم والحرب، والأمن والخوف.
فهو صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة في عبادة الله، عز وجل، فلقد كان أعلم الناس بالله، وأتقاهم له وأخشاهم، ومع ذلك كان يصوم ويفطر، ويقوم ويرقد، ويأتي النساء، ولم يؤثر ذلك في كونه أعبد الناس؛ ولذلك لما جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادته، فلما أُخبروا بها كأنهم تقالُّوها - أي؛ عدّوها قليلة - فقالوا: وأين نحن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟! فقال أحدهم: أما أنا فأصوم الدهر لا أفطر، وقال الثاني: وأنا أقوم الليل لا أرقد، وقال الثالث: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فخرج إليهم فقال: (أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأقوم وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني) (3) .