فهرس الكتاب

الصفحة 8005 من 18318

العبد إذا أيقن أن الله تعالى فوق السماء عال على عرشه بلا حصر ولا كيفية، وأنه الآن في صفاته كما كان في قدمه صار لقلبيه قبلة في صلاته وتوجهه ودعائه، ومن لا يعرف ربه بأنه فوق سماواته على عرشه، فإنه يبقى ضائعًا لا يعرف وجهة معبوده، لكن لو عرفه بسمعه وبصره وقِدمه، وتلك بلا هذا معرفة ناقصة بخلاف من عرف أن إلهه الذي يعبده فوق الأشياء، فإذا دخل في الصلاة وكبر توجه قلبه إلى جهة العرش، منزهًا ربه تعالى عن الحصر، مفردًا له كما أفرده في قِدمه وأزليته عالمًا أن هذه الجهات من حدودنا ولوازمنا، ولا يمكننا الإشارة إلى ربنا في قدمه وأزليته إلا بها؛ لأنا محدثون، والمحدث لا بد له من إشارته إلى جهة، فتقع تلك الإشارة إلى ربه كما يليق بعظمته لا كما يتوهمه هو من نفسه، ويعتقد أنه في علوه قريب من خلقه هو معهم بعلمه وسمعه وبصره وإحاطته وقدرته ومشيئته، وذاته فوق الأشياء فوق العرش، ومتى شعر قلبه بذلك في الصلاة أو التوجه أشرق قلبه واستنار وأضاء بأنوار المعرفة والإيمان، وعكسته أشعة العظمة على عقله وروحه ونفسه، فانشرح لذلك صدره، وقوي إيمانه، ونزه ربه عن صفات خلقه؛ من الحصر، والحلول، وذاق حينذاك شيئًا من أذواق السابقين المقربين، بخلاف من لا يعرف وجهة معبوده، وتكون الجارية راعية الغنم أعلم بالله منه، فإنها قالت: في السماء، عرفته بأنه على السماء، فإن: (في) تأتي بمعنى: على، كقوله تعالى: (يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ) [المائدة: 26] أي؛ على الأرض، وقوله: (وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) [طه: 71] أي؛ على جذوع النخل، فمن تكون الراعية أعلم بالله منه؛ لكونه لا يعرف وجهة معبوده، فإنه لا يزال مظلم القلب لا يستنير بأنوار المعرفة والإيمان. اهـ.

ومن فوائد الحديث؛ أن التحسين والتقبيح أمر شرعي؛ لذا فضل اليمين على الشمال، وإن غابت الفوائد العقلية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت