فجر يشق الظلام في تمهل، بغير فجائية مفزعة، وليال عشر فيها تظهر منازل القمر بصورة منظمة تقطع بوجود منظم، وأشهر متتالية، مرة تكون أيامها شفعًا، وأخرى تكون أيامها وترًا، وليل يزحف نحو الضياء تمامًا كزحف الفجر نحو الظلام، وكلاهما لا يستعصي على الآخر، لا يمكن لكل هذه العظمة أن تأتي من فراغ، أو يكون لها عقل تعمل به وحدها، ولا يمكن أن تصنعها مصادفات، إذن هو الخالق العظيم، هو الله الذي أعلن على العالمين أنه الخالق، فلم يجرؤ للآن آخر ليقول: لا أنا الخالق، أو حتى المشارك في الخلق، وحتى فرعون مع ضلاله الذي دفعه أن يقول: أنا ربكم الأعلى، لم يجرؤ أن يقول: أنا الخالق، حتى الآلهة التي عُبدت من دون الله لم يجرؤ عابدوها أن يقولوا: هي التي خلقت .. لماذا؟ لأن الفجر والليالي العشر والشفع والوتر وإقبال الليل كل ذلك ظهر ووجد قبل ظهور اللات والعزى ومناة وعزير والمسيح ابن مريم، والمفروض في الصانع أن يكون موجودًا قبل الصنعة، ولذلك بعد هذا القسم جاءت الحقيقة تصرع الباطل، وتخاطب أصحاب العقول غير المعطلة: (هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ) [الفجر: 5] ، ولذلك أيضًا على أي شيء جاء هذا القسم ترك ذلك لاستنتاج أصحاب العقول، لأن الهدف هو عظمة الخالق إذا كان المخلوق بهذه الروعة، ويكفي أصحاب العقول السليمة أن يكون القسم بهذه الأشياء لتستنتج على أي شيء يقسم وإن كان النص يشير إلى الانتقام من الظالمين.