نزلت قصة يوسف أو سورة (يوسف) على النبي صلى الله عليه وسلم بعد سورة (هود) في مكة المكرمة قبيل الهجرة، في تلك الفترة العصيبة في تاريخ الدعوة، حيث توالت الشدائد والابتلاءات على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين، في تلك الفترة التي عُرفت في السيرة بـ (عام الحزن) .
فكان في قصص السابقين عمومًا عبرة وعظة وتسلية للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين معه، وتخفيفًا لآلامهم، وفي قصة يوسف على وجه الخصوص عبرة وأي عبرة وتسرية وأي تسرية.
فإن بعد الضيق فرجًا، وإن بعد العسر يسرًا، فهذا يوسف، عليه السلام، كيف حدث له صنوف البلايا والمحن؟ محنة حسد إخوته وكيدهم له، ومحنة الجُب، وكيف صار رقيقًا بعد عز، ثم فتنة امرأة العزيز، ثم محنة السجن، وكيف صار يوسف بعد ذلك؟ نقله الله من السجن إلى القصر، وجعله عزيزًا في أرض مصر، ومكنه من خزائنها والعزيز المكرم، وكأن الله، سبحانه وتعالى، يقول بلسان الحال: وهكذا أفعل بأوليائي ومن صبر على بلائي، فلا بد أن توطد نفسك يا محمد أنت والذين آمنوا معك على تحمل البلاء والشدائد، اقتداءًا بمن سبق: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) [الأحقاف: 35] ، (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ) [النحل: 127] .
وهكذا جاءت قصة يوسف تثبيتًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وتسلية لهم، وجاءت تحمل في طياتها البشر والأنس والراحة والطمأنينة لمن سار على درب الأنبياء، وكيف تتحول المحنة في حق الصابرين إلى منحة، وهذه سنة الله في خلقه الاصطفاء بعد الابتلاء، وفي ذلك سلوى لقلب كل من سار على طريق الأنبياء في كل زمان ومكان.