ومن ذلك أيضًا قول العز بن عبد السلام في (قواعد الأحكام) : إذا تفاوتت رتب الفسق في حق الأئمة قدمنا أقلهم فسقًا، وكذلك مسألة الهجر لأصحاب المعاصي، حيث تختلف باختلاف الهاجرين، فقد يكون الهجر فيه مفسدة للبعض ومنفعة للبعض الآخر؛ فالعالم تارة يأمر وتارة ينهى وتارة يبيح وتارة يسكت حسب أحوال المفاسد والمصالح والترجيح عند التعارض، فالرسول صلى الله عليه وسلم يرى بمكة أكبر المنكرات ولا يستطيع تغييرها، وكان بالكعبة وبها الأصنام، وذلك في مرحلة، وفي مرحلة أخرى يغير بقوة ويحطم الأصنام، ويتساهل مع بعض الأشخاص، ويمنع البعض، ويخطئ من يظن أن ذلك تساهلًا وتضييعًا لشرع الله، فذلك من قبيل سوء فهمه وعدم إدراكه وقلة علمه.
وبعد ذلك العرض؛ هل أدرك هؤلاء الذين يشيعون الفوضى في الأمة بقتل الأبرياء وتكفير العصاة واتهام العلماء أن نظرهم قاصر وأنهم طلاب حق ضلوا الطريق، وأن خبرتهم في الدعوة إلى الله مع قلة علمهم بشرع الله سبب فسادًا عظيمًا في الأمة من تفريق جمعها وتشتيت هدفها وهم يصدون عن سبيل الله، وإن ادعوا أنهم دعاة إلى دعوته ودينه وإن أطالوا السجود والركوع والقيام، فالخوارج كانوا أكثر صلاة وعبادة، ومع ذلك يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية.
والله من وراء القصد.
(1) (مجموع الفتاوى) : (20/ 54) .
(2) (إعلام الموقعين) : (3/ 3) ط دار الجيل.
(3) (الموافقات) : (2/ 6) .
(4) قال شيخ الإسلام في نفس المصدر - القسم الثاني ما اتفق العلماء على أنه إذ فعل كلا الأمرين كانت عبادته صحيحة - من هذا الباب. فإنهم متفقون على أن من جهر بالبسملة صحت صلاته، ومن خافت صحت صلاته، وكذلك القنوت في الوتر، وإنما تنازعوا في وجوب قراءة البسملة .. وجمهورهم على أن قراءتها لا تجب وتنازعوا أيضًا في استحباب قراءتها وجمهورهم على أن قراءتها مستحبة.
(5) (مجموع الفتاوى) : (22/ 267) .