والجرأة على الفتيا - كما قال ابن القيم رحمه الله - تكون من قلة العلم ومن غزارته وسعته!! فمن قل علمه - وهم كثير - أفتى في كل ما يُسأل عنه بغير علم، وخذ لذلك مثلًا مضحكًا: الإفتاء في الطلاق؛ يقوم به العلماء، وهو من المسائل الشائكة، ويشاركهم في الإفتاء: المأذون وإن لم يكن عالِمًا، وأئمة المساجد عالمهم وجاهلهم على سواء، والمؤذن، ومقيم الشعائر، والعوام وكل من حضر المجلس!!
وأحيانًا يقوم الآباء بالإفتاء، حرصًا على مصلحة الأبناء! وفي حالات كثيرة تسمع من يقول: ذهبت إلى شيخ أسأله عن الطلاق، فردّ لي ديني؟!! فأصبح الطلاق عندهم كفرًا وفاعله مرتد!! ودينه يحتاج إلى رد! وهذا الباطل والمنكر من القول يرجع إلى القول على الله بغير علم.
وقد حذر علماء الأمة من ذلك تحذيرًا شديدًا؛ قال حذيفة، رضي الله عنه: (إنما يفتى الناس ثلاثة: من يعلم ما نسخ من القرآن، أو أمير لا يجد بدًّا، أو أحمق متكلف) .
وقال سحنون بن سعيد: (أجسر الناس على الفتيا أقلهم علمًا يكون عند الرجل البابُ الواحد من العلم يظن أن الحق كله فيه) .
وقد كان الإمام أحمد بن حنبل، رحمه الله، مع غزارة علمه يتوقف أحيانًا في الفتوى؛ لتعارض الأدلة عنده، أو لاختلاف الصحابة فيها، أو لعدم اطلاعه فيها على أثر أو قول أحد من الصحابة والتابعين!!
وكان شديد الكراهة والمنع للإفتاء بمسألة ليس فيها أثر عن السلف، كما قال لبعض أصحابه: إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام.
وكان ابن عمر، رضي الله عنهما، يقول: (العلم ثلاث: كتاب الله الناطق، وسنة ماضية، ولا أدري) !!
ومن أراد المزيد في هذا فليراجع (إعلام الموقعين عن رب العالمين) الجزء الأول لابن القيم، رحمه الله.
القاعدة الثانية: