والعجيب من شأن سورة الفاتحة أنها على فرط إيجازها قد انتظمت المنهجين جميعًا في كلمتين، ذلك أنها حين حببت إلينا طريق الفضيلة بينت لنا أولًا قيمته الذاتية، فوصفته بالاعتدال والاستقامة: (الصراط المستقيم) ثم بينت ما في عاقبته من نفع وجدوى، فوصفته بأنه الطريق الموصل إلى رضوان الله ونعمته، وأشارت في الوقت نفسه إلى مثله التاريخية في سيرة أهله الذين نصبوا أنفسهم القدوة الحسنة (صراط الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين .. ثم لم تكتف بذلك، بل وضعت معيارا لانواع الطرق المنحرفة، فبينت أن الانحراف على ضربين: انحراف عن قصد وعلم، عنادا واستكبارا، واتباعا للهوى، وهذا هو طريق(المغضوب عليهم) الذين رأوا سبيل الرشد فلم يتخذوه سبيلا، ورأوا سبيل الغي فاتخذوه سبيلا، وانحراف عن جهل وطيش. وهذا هو طريق (الضالين) الذين لا يتوقفون عند الشك، بل يقتفون ما ليس لهم به علم، فيخبطون خبط عشواء دون تثبت ولا تبصر.
لا ريب أن كلا الضربين مذموم، وإن كان بعضهما أسوأ من بعض: للعالم المنحرف مأزور، والجاهل المنحرف غير معذور، والعالم المستقيم هو المبرور المأجور.
هذه المشارب الثلاثة تجد دائمًا أمثلتها في الناس، لا في الخلق والسلوك فحسب، بل في كل شأن من الشئون: في الاعتقاد والرأي والتعليم والإخبار، والفتيا، والحكم والقضاء، وهكذا جاء في الحكمة النبوية: قاض في الجنة، وقاضيان في النار: فالقاضي الذي في الجنة رجل عرف الحق فقضى به، واللذان في النار رجل عرف الحق فقضى بخلافه، ورجل قضى للناس على جهل.
وهذه الفرق الثلاث التي افترق إليها الناس في كل زمان ومكان أمام الصراط المستقيم: فريق الذين أنعم الله عليهم، وفريق المغضوب عليهم، وفريق الضالين ذكرتهم سورة الفاتحة إجمالا في آخرها. وقد جاء بيانهم تفصيلا في أول سورة البقرة التي تلي سورة الفاتحة في ترتيب المصحف.