وإذا كانت الأمم الحديثة تحتفل بمناسبات صدور دساتيرها الوضعية التي هي من صنع أيديهم والتي تجد فيها التناقض والتعارض، ولا تزال بحاجة إلى استدراك، أو اضافة مواد معدلة بجانب المواد الأساسية، ما بقى للعمل بها وحتى يصدر قانون أو استدارك آخر، فإن كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والذي وصفه منزله سبحانه على عبده بأنه لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا. وذلك في قوله (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرًا) فإن هذا الكتاب أولى بالاحتفال بعظمة المناسبة التي نزل فيها الليلة والشهر، فالليلة - وهي القدر - كما قال تعالى: (ليلة القدر خير من ألف شهر تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هي حتى مطلع الفجر) والشهر - وهو شهر رمضان - يفرض صيامه على من شهده تكريما لذلك الوحي الإلهي الذي كان فاتحة لحياة النور. وقاضيا على عهد الظلمات وعهد التجبر والهمجية، ولقد وصف أمير الشعراء أحمد شوقي حياة الدنيا قبل إنقاذها بذلك الوحي النبوي وصفًا تتجلى منه مناسبة نزول هذا الوحي الكريم ومبعث ذلك النبي الذي بعث رحمة للعالمين فقال يخاطب الرسول صلى الله عليه وسلم ومادحا إياه:
أتيت والناس فوضى لا تمر بهم ... إلا على صنم قد هام في صنم
والأرض مملوءة جورًا مسخرة ... لكل طاغية في الخلق محتكم
مسيطر الفرس يبغي في رعيته ... وقيصر الروم من كبر أصم عم
يعذبان عباد الله في شبه ... ويذبحان كما ضحيت بالغنم
ثم يتحدث عن أثر دعوة محمد صلى الله عليه وسلم في البشرية وفي حياة الناس فيقول:
أخوك عيسى دعى ميتًا فقام له ... وأنت أحييت أجيالًا من الرمم
والجهل موت فإن أوتيت معجزة ... فابعث من الجهل أو فابعث من الرجم