ومتى عرف المسلمون هذا وفقهوه أصلح الله لهم دنياهم التي فيها معاشهم، ولما كان الاختلاف لا بد أن يقع بين الرعية والراعي أو بين الرعية نفسها أرشد الله تعالى إلى المبادرة بالقضاء على هذا الخلاف قبل أن يستفحل، فقال تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) أي إلى كتاب الله وسنة رسوله حتى تعرفوا الحق فيما اختلفتم فيه فتذعنوا له وتسلموا تسليمًا، حتى تظلوا أمة واحدة كما أراد الله.
ولكن ها هنا أمر لابد من التنبيه عليه وهو: لو أن رجلين اختلفا في أمر ما، ثم رداه إلى الكتاب والسنة فقد لا يتفقان إذا فسر كل منهما النص وفق فهمه هو، ومثال على ذلك: لمس المرأة هل ينقض الوضوء أم لا؟ فمن قال: ينقض، استدل بظاهر الآية: (أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ) [النساء: 43] ، ومن قال: لا ينقض، قال: اللمس الجماع، فإذا لم يكن ثم ضابط ثالث يحسم الأمر وإلا استمر الخلاف، هذا الضابط هو فهم السلف الصالح؛ لذلك لابد أن نقول: إلى الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، وفي المثال المذكور رأينا النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل إحدى نسائه ولا يتوضأ (11) ، فعلمنا صحة قول من قال: إن لمس المرأة لا ينقض الوضوء.
هذا الردّ إلى كتاب الله وسنة رسوله دليل الإيمان، ولذلك قال: (إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) ، ذلك الردّ إلى الله ورسوله الذي يقضي على الخلاف والنزاع خير لكم من الاستمرار في الخلاف والنزاع الذي يوهن قوتكم ويفرق جمعكم، فيتسلط به عليكم عدوكم، كما قال الله تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) [الأنفال: 46] .