وهذه الروايات أثارت مناقشة كبيرة بين علماء النقد من المحدثين:
فقد استغرب هذا الحديث جماعة من المحدثين؛ منهم الإمام الترمذي، فقد قال بعد سياقته: (هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه) . يقصد بذلك طريق قراد، المشار إليه.
وضعَّفه جماعة، واستنكروه جدًا، منهم الحافظ الذهبي، الذي ذكره في (تاريخ الإسلام) تحت عنوان: (سفره مع عمه - إن صح) ثم قال: وهو حديث منكر جدًا، بل لقد تعقب الحاكم في تصحيحه إياه بقوله: أظنه موضوعًا، وكذلك الظاهر من صنيع الحافظ ابن كثير أنه يستغربه جدًا.
ومن النقاد من صححه بشواهده المختلفة، ومنهم الحاكم في (المستدرك) ، والحافظ جلال الدين السيوطي في (الخصائص الكبرى) ، قال: (ولها شواهد عدة سأوردها تقضي بصحتها) ، ومال الحافظ ابن حجر في (الإصابة) إلى قبولها جملة، وإنكار الزيادة التي تروي وجود أبي بكر وبلال. قال: (الحديث رجاله ثقات، وليس فيه منكر إلا هذه اللفظة) . بل قد قطع في (الفتح) بقبوله، قال: (إسناده قوي) .
إلا أن المدقق في روايات الخبر، وفي صنيع هؤلاء المحدثين والنقاد يلاحظ مجموعة من الملاحظات.
أولها: أن الخبر قد جاء من طرق مختلفة، وأوجه متباينة تؤكد أن له أصلًا صحيحًا:
فقد خرجه ابن سعد من طريق أبي المليح عن عبد الله بن محمد بن عقيل - مرسلًا.
وابن عساكر من طريق محمد بن سعد بإسناده إلى أبي مجلز.
والواقدي بإسناده إلى داود بن الحصين.
والطبري بإسناده عن هشام بن محمد، مرسلًا، أو مُعضلًا.
وعبد الرزاق من حديث الزهري، مرسلًا.
وابن عائذ من حديث الوليد بن مسلم عن سليمان بن موسى، مرسلًا هكذا.
وغيرهم من طرق أخرى، أضربنا عنها اكتفاءً بما ذكرنا.
والملاحظة الثانية: أن العلماء لا يختلفون في تقوية أمر الحديث الضعيف إذا جاء من طرق متعددة، أو كانت له شواهد أخرى، كما هو مشهور في مصطلح الحديث.