ويدخل في رعاية الأمانة مع سائر الخلق مصالح العامة عند الموظفين في الدوائر الحكومية، فمصالح الناس عند الموظفين أمانة، وقد وضعت الحكومة كل موظف في مكان ليقوم بقضاء حوائج الناس ومصالحهم وحل مشاكلهم، فعلى كل موظف أن يتقي الله في هذه الأمانة، وأن يعمل على قضاء حوائج الناس ومصالحهم بإخلاص، ولا يجوز له الإهمال أو التقصير في ذلك، ولا يجوز له تعطيل المصالح لإكراه الناس على دفع ضريبة، أو إهداء هدية، ولا يجوز له أن يعجل بقضاء حاجة فلان لأنه أهداه، ويؤخر فلانًا لأنه لم يهده، فإن فعل فقد خان الأمانة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (هدايا العمال غلول) (5) .
وعن أبي حُميد الساعدي، رضي الله عنه، قال: استعمل النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا من الأزد يقال له: ابن اللتبية على الصدقة، فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أهدي إليَّ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (أما بعد؛ فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله، فيأتي فيقول: هذا لكم وهذا هدية أهديت إليَّ، أفلا جلس في بيت أبيه أو أمه حتى تأتيه هديته إن كان صادقًا؟! والله لا يأخذ أحدٌ منكم شيئًا بغير حقه إلا لقي الله تعالى يحمله يوم القيامة، فلا أعرفن أحدًا، منكم لقي الله يحمل بعيرًا له رُغاء، أو بقرة لها خُوار، أو شاة تعير - ثم رفع يديه حتى رؤي بياض إبطيه فقال: اللهم هل بلغت) (6) .
ويدخل في رعاية الأمانة مع سائر الخلق الودائع والعارية والديون، ونحو ذلك مما يأتمن الناس بعضهم بعضًا عليه، فيجب على من أودع وديعة أو استعار عارية أن يحافظ عليها، وأن يردها على صاحبها في الوقت المحدد لها، كما قال تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ) [البقرة: 283] .