وعندئذ ظهر البشر والحبور على وجه الابن الصالح وتهلل وجهه وابتهج وقال: الآن، الآن يا أماه، لقد امتثلت لأمر الله تعالى إذ يقول: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [البقرة: 256] ، فهنيئًا لك يا أماه تصميمك على إخلاص جميع العبادات لله رب العالمين، واجتناب كل ما يعبد من دونه عملًا بقوله تعالى: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ) [الحج: 30] .
وعاشت الأم الطيبة بعد هذا سبع سنوات دأبت خلالها على مناجاة الله بأسمائه الحسنى، فتارة تقول: يا حي يا قيوم، يا من لا تأخذه سنة ولا نوم، وتارة أخرى تنادي الواحد القهار العزيز الغفار، ومرة ثالثة تقول: يا ذا الجلال والإكرام والعزة التي لا ترام، والملك الذي لا يُضام، كما كانت أحرص الناس بعد أن هداها الله لتوحيده وإخلاص العبادة له على أن تنصح وتبين لكل من يدعو سوى الله ألا يخلطوا إيمانهم بظلم؛ لأن الشرك ظلم عظيم، وتتلو عليهم قول الله تعالى: (الَّذِينَءَامَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) [الأنعام: 82] ، ولما رقدت الأم على فراش الموت ظلت شهورًا لا تتكلم ولا تنطق بكلمة واحدة، حتى الماء إذا أرادت الشراب تشير بيدها لعدم استطاعتها الكلام، ولكن الله عز وجل من فضله وإحسانه وجوده وكرمه أكرمها بنطق كلمة الإخلاص، كلمة التوحيد، الكلمة الطيبة، فكانت طوال هذه الشهور التي فقدت فيه النطق تقول: لا إله إلا الله، كلمة واضحة بينة، فشهد لها الجميع بما شهد به رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله دخل الجنة) . رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والحاكم في (مستدركه) ، عن معاذ بن جبل، رضي الله تعالى عنه، مرفوعًا.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.