فلو تأملت هذه الآيات الكريمة، وهي قليل من كثير مثلها في القرآن الكريم، وصرفت النظر عن إعجازها الدال على أنها ليست من قول البشر، لما وجدت شيئًا يحمي القارئ المؤمن من أن يسبق إلى نفسه أنها من كلام النبي صلى الله عليه وسلم إلا هذه الكلمة الكريمة ذات الحرفين، أو هذا الأمر: (قُلْ) في أول كل منها؛ لأن ضمير المتكلم في كل منها راجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإن كان القارئ غير مؤمن وجد أمر: (قل) هذا قائمًا حيال كل آية يوقظه وينبهه أنه يقرأ كلامًا لا يمكن أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم قاله من عند نفسه مادام مأمورًا بالقول هكذا في كل آية، أو على الأقل يجد غير المؤمن أن العقيدة التي تلقاها ووقرت في نفسه من أن القرآن كلام محمد صلى الله عليه وسلم تريد أن تتقلقل وتتزعزع بكلمة: (قُلْ) ، هذه كلما قرأها في مواطنها من الآيات، فكأن هذه الكلمة الكريمة تقوم حيال كل آية وردت فيها تذود الشك عن نفس المؤمن وتزعج نفس غير المؤمنين أن تطمئن، كلما أراد غير المؤمن أن يفهم أن محمدًا صلى الله عليه وسلم يقول: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي) ، (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) ، (( قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا) ، (قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ) ، أزعجته كلمة: (قُلْ) عن هذا، كأنها تقول له في كل مرة: ليس هذا من كلام محمد، ليس هذا من كلام محمد، حتى ليجد نفسه مضطرًا - إن كان يطيع داعي عقله - أن يتساءل: من الذي يقول لمحمد قلْ .. قلْ .. قلْ .. هكذا بهذا التكرار في تلك الآيات وأمثالها في القرآن؟
وعجيبة أخرى لتلك الكلمة الكريمة كلمة: (قُلْ) أن ذكرها من رسول في صلب الرسالة المأمور هو بتبليغها يخالف كل مألوف الناس، أو إن شئت يخالف إجماع الناس في كل لغة وفي كل عصر في الأدب أو في الخطاب.