فهرس الكتاب

الصفحة 8568 من 18318

واسأل نفسك: هل تعرف فيما قرأت أو سمعت أن أحدًا يُبلغ رسالة حُملها إلى فرد أو جماعة يبلغها مصدرة بقول: (قُلْ) ، أو: (بلغ) ، أو: (نبئ) ، أو أي صيغة أخرى من الصيغ التي يمكن أن تستعمل عند الأمر بالتبليغ أو الإخبار؟ طبعًا لا، فإن حامل الرسالة أو الخبر عند أدائه يجد نفسه بالطبيعة بين أمرين: إما أن يقتصر على الخبر، أو الرسالة يلقيها بالنص، أو بالمعنى من غير إشارة إلى مصدرها، وإما أن يخبر أيضًا عن المصدر بصيغة من صيغ الخبر التي جرى بها عرف اللغة في الخطاب، أما أن يعيد نفس كلام الآمر عند الأمر حتى قول: (قُلْ) ، و (نبئ) ، فهذا يخالف كل ما جرى عليه البشر في الكلام.

ولقد روى ثقات المحدثين عدة أحاديث للنبي صلى الله عليه وسلم بلغ فيها عن ربه بصيغة الخبر التي يقضي بها عرف اللغة، مثل حديث: (إن الله كره لكم ثلاثًا: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال) . رواه البخاري ومسلم وغيرهما فيما ذكر المنذري.

ومثل الموعظة المشهورة له صلى الله عليه وسلم: (أوصاني ربي بتسع أوصيكم بها: أوصاني بالإخلاص في السر والعلانية، والعدل في الرضا والغضب، والقصد في الغنى والفقر، وأن أعفو عمن ظلمني، وأعطي من حرمني، وأصل من قطعني، وأن يكون صمتي فكرًا، ونطقي ذكرًا، ونظري عبرًا) .

فها هو ذا النبي صلى الله عليه وسلم يبلغ عن ربه كما ألف الناس، ليس في الكلام: (قل) ، ولا (نبئ) ، ولا (أنذر) ، ولا ما شابههما من الكلمات، أفليست كلمة (قُلْ) ، (نبئ) ، (أنذر) ، وما ماثلها في القرآن الكريم، منفردة ومجتمعة، شاهدًا واضحًا ومذكرًا ناطقًا على أن القرآن الكريم ليس بكلام محمد صلوات الله عليه، وإلا لاتبع محمد الفصيحُ البليغ طريقة البشر في التبليغ، ولما خالف عرف الخطاب عند الناس أجمعين على اختلاف الألسنة واختلاف الألوان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت