وعجيبة أخرى لهذه الكلمة المباركة كلمة: (قُلْ) ، أنها وأمثالها تدل دلالة واضحة على أن النبي صلى الله عليه وسلم حين أمر بتبليغ الرسالة القرآنية أمر أيضًا بالا يغير منها حرفًا، ومُنع من أن يتصرف فيها أي تصرف، ولو كان ذلك في الصيغة، ولو كان ذلك بإسقاط كلمة: (قُلْ) ، مع أداء مقول القول بالحرف دون أدنى تغيير، أليس من عجيب الحكمة وعظيم الرحمة أن أثبت هذا الحرفُ وأمثاله في القرآن الكريم رمزًا للرسالة وشهادة بها، وليدل الناس في إيجاز وصراحة على أن القرآن الكريم ليس من عند محمد صلى الله عليه وسلم، وأن محمدًا صلى الله عليه وسلم تلقاه من عالم الغيب، ونقله إلى عالم الشهادة بكل لفظ فيه وكل حرف؟! فكل لفظ فيه وكل حرف هو من عند من أوحى القرآن الكريم إلى رسوله ليبلغه بنصه وفصه للناس: (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ(86) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ) [ص: 86، 87] .
(قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [سبأ: 47] ، (قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ(48) قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (49) قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ) [سبأ: 48 - 50] .
ماذا يا ترى يمنع القارئ الذي لا يفقه إعجاز القرآن الكريم أن يقول في نفسه: إن هذا كلام من يرجع إليه ضمير المتكلم إلا كلمة: (قُلْ) هذه، تقوم في أول كل آية كالحارس القائم بسلاحه على مستودع ذخيرة جيش، أو كالدريئة القائمة دون صدر جندي من جنود الله؟!