فهذه آيات كريمة حوت هذا الأمر الكريم: (قُلْ) ، و (نبئ) ، ولكنها حوت أيضًا ما يدل دلالة قاطعة على أن الآمر لمحمد صلوات الله عليه، لا يمكن أن يكون أحدًا من الخلق؛ لأن ضمير المتكلم فيها لا يمكن أن يكون راجعًا إلا إلى الله رب العباد ورازقهم ورب الخلق أجمعين.
ويلاحظ أن رجوع ضمير المتكلم إلى الحق سبحانه لا يكفي وحده دليلًا على قرآنية الكلام، فهناك أحاديث شريفة رواها ثقات المحدثين فيها ضمير المتكلم راجع إلى الله سبحانه، وسموها من أجل ذلك أحاديث قدسية، تمييزًا لها، ولكن لم يقل أحد: إنها من القرآن.
خذ إليك منها: عن أنس، رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (قال الله: يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرتُ لك على ما كان منك ولا أبالي) . رواه الترمذي.
عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قال الله عز وجل: كل عمل ابن آدم له، إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به) . الحديث رواه البخاري ومسلم.
عن أبي ذر، رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يقول الله عز وجل: يا بني آدم، كلكم مذنب إلا من عافيت فاستغفروني أغفر لكم، وكلكم فقير إلا من أغنيت، فاسألوني أعطكم، وكلكم ضال إلا من هديت، فاسألوني الهدى أهدكم) رواه مسلم.
فهذه أحاديث شريفة فيها ضمير المتكلم راجع إلى الحق، وليست بقرآن، والفرق بينهما وبين الآيات الكريمة المستشهد بها أخيرًا هو - بعد فرق الإعجاز - صيغة الأمر: (قُلْ) في الآيات، وصيغة الخبر: (قال الله) ، و (يقول عز وجل) - في الأحاديث.
هذه دلالة لفظ واحد من ألفاظ القرآن على حقيقة القرآن، والقرآن الكريم كله بعد ذلك دلائل على أنه من عند الله لا من عند أحد من خلقه.
ولقد يسر الله القرآن للذكر لو يَّذكر الإنسان.