ثم أرشدهم إلى أن يتذكروا بأسفارهم هذه في الدنيا السفر الأكبر من الدنيا إلى الآخرة، وأن هذا السفر الأكبر يحتاج أيضًا إلى زاد، ولكن ليس من جنس زاد الدنيا، فقال تعالى: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ) ، وفي هذا يقول القائل:
ولست أرى السعادة جمع مال
ولكن التقي هو السعيد
وتقوى الله خير الزاد ذخرًا
وعند الله للأتقى مزيد
قال تعالى: (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ(31) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (32) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (33) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (34) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيد) [ق: 31 - 35] .
وأعلا هذا المزيد وأفضله النظر إلى وجه الله عز وجل، فمن أراد ذلك المزيد فعليه أن يزداد من زاد التقوى، وأولى الناس بذلك هؤلاء الذين جادوا بأموالهم وأوقاتهم وجهدهم، وتركوا أوطانهم وأولادهم وأهليهم، وهاجروا إلى الله يبتغون من فضل الله.
ألا فليحرص كل حاج على أن يتخلى عن كل ما نهى الله عنه، ويتحلى بكل ما أمر الله به، حتى يحقق قوله تعالى: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ) ، فإن فعل فليبشر بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه) .
نسأل الله تعالى أن يجعل موسم الحج هذا موسم خير ويمن وبركة، وأمن وأمان وسلم وسلام، وأن يرد جميع الحجيج سالمين غانمين، وأن يجعل حجهم مبرورًا، وسعيهم مشكورًا، وذنبهم مغفورًا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.