أما إذا أراد أن يجمع بين النسكين في سفرة واحدة وقدم مكة في أشهر الحج ولم يسق الهدي فالتمتع أفضل له من أن يحج ويعتمر بعد ذلك من الحل؛ لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين حجوا معه ولم يسوقوا الهدي أمرهم جميعهم أن يحجوا هكذا.
ولم يكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين أحد يخرج من مكة ليعتمر إلا لعذر لا في رمضان ولا في غير رمضان، والذين حجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم ليس فيهم من اعتمر بعد الحج بمكة إلا عائشة كما ذكر، ولم يكن هذا من فعل الخلفاء الراشدين الذين استحبوا الإفراد من الصحابة، إنما استحبوا أن يحج في سفرة ويعتمر في أخرى، ولم يستحبوا أن يحج ويعتمر عقيب ذلك عمرة مكية، بل هذا لم يكونوا يفعلونه قط، اللهم إلا أن يكون شيئًا نادرًا.
فمن كان بمكة من مستوطن أو مجاور أو قادم أو غيرهم فإن طوافه بالبيت أفضل له من العمرة، وسواء خرج من ذلك إلى أدنى الحل وهو التنعيم الذي أحدث فيه المساجد التي تسمى (مساجد عائشة) ، أو أقصى الحل من جوانب الحرم (الجعرانة، أو الحديبية) ، أو غير ذلك، وهذا المتفق عليه بين سلف الأمة، ما أعلم فيه مخالفًا من أئمة الإسلام في العمرة المكية، أما العمرة من الميقات بأن يذهب إلى الميقات فيحرم منه أو يرجع إلى بلده، ثم ينشئ السفر للعمرة، فهذه ليست عمرة مكية، بل هذه عمرة تامة.
فلا يستريب عالم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه الراشدين وآثار الصحابة والسلف أن الطواف أفضل من الاعتمار من مكة وترك الطواف ليس بمستحب، بل المستحب هو الطواف دون الاعتمار، بل الاعتمار فيه حينئذ بدعة لم يفعله السلف ولم يؤمر بها في الكتاب والسنة، ولا قام دليل شرعي على استحبابها، وما كان كذلك فهو من البدع المكروهة باتفاق العلماء.