ولهذا كان السلف والأئمة ينهون عن ذلك، فروى سعيد في (سننه) عن طاووس، وهو من أجل أصحاب ابن عباس، قال: الذين يعتمرون من التنعيم ما أدري أيؤجرون عليها أم يعذبون؟ قيل فلم يُعذبون؟ قال: لأنه يدع الطواف بالبيت ويخرج أربعة أميال ويجيء، وإلى أن يجيء من أربعة أميال قد طاف مائتي طواف، وكلما طاف بالبيت كان أفضل من أن يمشي من غير شيء. (انتهى كلام شيخ الإسلام) .
أما ابن القيم فكتب في (زاد المعاد) بشأن عمرة عائشة، رضي الله عنها، فقال: عائشة رضي الله عنها، كانت إذا حجت - أي بعد حجتها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم - صبرت حتى يدخل المحرم، ثم تحرم من ذي الحليفة فلم تكن تعتمر من أدنى الحل.
أقول: فهذه عائشة، رضي الله عنها، لم تعد لعمرتها من التنعيم بعد ذلك مع صعوبة السفر ووعورة الطريق بالنسبة لما عليه الحال اليوم.
وللناس في هذه العمرة التي أتت بها عائشة من التنعيم أربعة مسالك، أحدها: أنها كانت زيادة تطيببًا لقلبها وجبرًا لها، وإلا فطوافها وسعيها وقع عن حجها وعمرتها، وكانت متمتعة، ثم أدخلت الحج على العمرة، فصارت قارنة، وهذا أصح الأقوال، والأحاديث لا تدل على غيره، وهذا مسلك الشافعي وأحمد وغيرهما.
أما الشيخ الألباني - حفظه الله تعالى - فيقول: فالعمرة بعد الحج إنما هي للحائض التي لم تتمكن من الإتيان بعمرة الحج بين يدي الحج؛ لأنها حاضت كما علمت من قصة عائشة هذه، فمثلها من النساء إذا أهلت بعمرة الحج كما فعلت هي رضي الله عنها، ثم حال بينها وبين إتمامها الحيض، فهذه يشرع لها العمرة بعد الحج، فما يفعله اليوم جماهير الحجاج من تهافتهم على العمرة بعد الحج مما لا نراه مشروعًا؛ لأن أحدًا من الصحابة الذين حجوا معه صلى الله عليه وسلم لم يفعلها، بل إنني أرى أن هذا من تشبه الرجال بالنساء، بل بالحيض منهن، ولذلك جريت على تسمية هذه العمرة بـ (عمرة الحائض) بيانًا للحقيقة، (انتهى كلامه، حفظه الله تعالى) .