من استحب من الخلفاء الراشدين وغيرهم من أئمة الدين الحج مفردًا على المتمتع والقارن استحبه؛ لأنه يؤدي في كل سفرة نسكًا، فيكون أكثر قربة لربه ومثوبة عنده، أما عمرة التنعيم فليست المقصودة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة، رضي الله عنها: (فإذا طهرت فاخرجي إلى التنعيم فأهلي، ثم ائتينا بمكان كذا وكذا، ولكنها على قدر نفقتك أو نصبك) .
ومعلوم أن من انتظرها ومن سار معها قد تعب وأنفق مثلها أو قريبًا منها، وليس من اعتمر من التنعيم كمن جاء بعمرة من ميقات بلده، لذا فإن عائشة، رضي الله عنها، كانت إذا أرادت العمرة بعد الحج بعد ذلك تنتظر في المدينة حتى يدخل المحرم فتحرم من ذي الحليفة، ثم تؤدي عمرة، ولم تعد إلى التنعيم بعد، فضلًا عن أن يكون قد قام بذلك غيرها من أهل الآفاق، وكل ما وجدناه إنما هو من عمرة أهل مكة، وليس فيها دليل على فضل آدائها من التنعيم لغير المعذور.
الأجر .. والمشقة .. والنفقة
يقول العيني في (العمدة) : إن الثواب في العبادة يكثر بكثرة النصب والنفقة، وقال ابن عبد السلام: هذا ليس بمطرد، فقد تكون بعض العبادة أخف من بعض، وهي أكثر فضلًا بالنسبة إلى الزمان، كقيام ليلة القدر بالنسبة لقيام ليالي من رمضان غيرها، وبالنسبة للمكان كصلاة ركعتين في المسجد الحرام بالنسبة لصلاة ركعات في غيره، وبالنسبة إلى شرف العبادة المالية والبدنية كصلاة الفريضة بالنسبة إلى أكثر من عدد ركعاتها أو من قراءتها، ونحو ذلك من صلاة النافلة، وكدرهم من الزكاة بالنسبة إلى أكثر منه من التطوع.
قلت - القائل العيني: هذا الذي ذكره لا يمنع الإطراد؛ لأن الكثرة الحاصلة في الأشياء المذكورة ليست من ذاتها، وإنما هي بحسب ما يعرض لها من الأمور المذكورة. فافهم، فإنه دقيق.
وقال النووي: المراد بالنصب الذي لا يذمه الشرع وكذا النفقة وفي (التوضيح) : أفعال البر كلها على قدر المشقة والنفقة، ولهذا استحب الشافعي ومالك الحج راكبًا.