وهكذا سائر العبادات، وقد بين لنا ابن عباس، رضي الله تعالى عنه، أن الأوثان التي ذكرت في سورة (نوح) هي أسماء رجال صالحين لما ماتوا جعل الناس على قبورهم أنصابًا بقصد تخليد ذكراهم، فلما ذهب العلم واندثر الأثر عبدت من دون الله، ولهذا قال الواحد القهار: (وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ(20) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) [النحل: 20، 21] ، والقبور والحجارة والنصب لا توصف بأنها أموات غير أحياء ولا يقال عنها: لا تشعر متى تبعث، إنما انصب الكلام على من صنعت النصب والأخشاب والأستار فوق قبورهم.
والشيطان له أساليبه في تزيين وثنية القبور وعبادتها، فأحيانًا يوحي إلي أوليائه بإقامة النصب الضخمة الخشبية والنحاسية وأحيانًا الذهبية والفضية، ووضع الأستار العالية ليقذف بالقداسة والمهابة في نفوس عابديها والعاكفين عليها، وفي واقع الأمر المشركون لبسوا أمام قبر قد اختفت معالمه تحت النصب والأستار ليس أمام المشركين سوى هذه الأنصاب والأستار وهم لا يدرون شيئًا عن تاريخ من أطلق اسمه على هذه الأنصاب والأستار، وقد يكون جاسوسًا يهوديًا جاء للدس والإفساد وتخريب العقائد، وقد يكون منافقًا جاء ليفسد على الناس أمور دينهم، وقد يكون قاطع طريق تغرب عن بلاده هروبًا من يد العدالة.
وصدقوني أنكم لن تجدوا شيئًا تحت هذه الأنصاب: (مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) [يوسف: 40] ، (إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ) [النجم: 23] ، (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ) [النجم: 23] .