ويمهد العرباض، رضي الله عنه، لهذه الوصية فيذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد وعظهم موعظة بلغ من قوة تأثيرها أن وجلت منها القلوب، يعني تملكها الفزع والخوف الشديد، وأن ذرفت منها العيون، أي فاضت بالدمع الغزير، فلما سمعوا منه تلك الموعظة ورأوها على غير المألوف من مواعظه أحسوا بدنوا أجله وقرب مفارقته إياهم، فدفعهم حرصهم على الخير أن يطلبوا منه صلى الله عليه وسلم وصية يعتصمون بها بعده ويجعلونها دستورًا ومنهاجًا لهم يقيهم من ورطات الضلال والانحراف، فعهد إليهم بتلك النصيحة الغالية التي تدل على عظيم شفقته بأمته وحرصه على خيرها وسعادتها.
1 -فأمرهم أولًا بتقوى الله، وهي كلمة جامعة يدخل فيها فعل كل مأمور به واجتناب كل منهي عنه، فإن كل ما أمر الله به فقد أحبه ورضيه، وكل ما نهى عنه فقد كرهه وسخطه، ولا يمكن أن تنال التقوى الكاملة مع فوت شيء من المحبوبات أو فعل شيء من المكروهات، فإن ذلك موجب لعذاب الله وسخطه، ومن عرض نفسه لعذاب الله لا يقال: إنه اتقاه، ولهذا كانت التقوى درجات كثيرة، ولكل إنسان من التقوى بقدر ما أطاع الله عز وجل فيه امتثالًا لأمره واجتنابًا لنهيه.
ولهذا يكثر في القرآن العظيم أن تذكر التقوى وحدها ويرتب عليها الفوز بكل مطلوب والنجاة من كل مهروب، كقوله تعالى من سورة (آل عمران) : (لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ) [آل عمران: 15] ، وكقوله في سورة (الأنفال) : (يَاأَيُّهَا الَّذِينَءَامَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ) [الأنفال: 29] ، وكقوله في سورة (النحل) : (وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ(30)