6 -قال القاضي أبو بكر بن العربي في الرد على المرجئة: أن الإحباط إحباطان؛ أحدهما: إبطال الشيء للشيء وإذهابه جملة، كإحباط الإيمان للكفر، والكفر للإيمان، وذلك في الجهتين إذهاب حقيقي.
ثانيهما: إحباط الموازنة إذا جعلت الحسنات في كفة والسيئات في كفة، فمن رجحت حسناته نجا، ومن رجحت سيئاته وقع في المشيئة. أما أن يغفر له وإما أن يعذب، فالتوقيف إبطال لها، لأن توقيف المنفعة في وقت الحاجة إليها إبطال لها، والتعذيب إبطال أشد منه إلى حين الخروج من النار، ففي كل منهما إبطال نسبي أطلق عليه اسم الإحباط مجازًا وليس هو إحباط حقيقة؛ لأنه إذا أخرج من النار وأدخل الجنة عاد إليه ثواب عمله، وهذا بخلاف قول الإحباطية الذين سووا بين الإحباطين وحكموا على العاصي بحكم الكافر وهم معظم القدرية.
الإحباط وأنواعه:
إحباط الأجر كلية لكل الأعمال الصالحة، ومنه عمل الكافر؛ لأن الإسلام شرط لقبول الأعمال، فإن تخلف الشرط لا يقبل العمل مهما كان صلاحه ونفعه، وفي ذلك يقول سبحانه: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) [النور: 39] .
ويقول سبحانه: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ(15) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [هود: 15، 16] .
وقد يتمتع الكافر بعمله الصالح في الحياة الدنيا، فعن أنس، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنة يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم.