ولقد سبق ذلك تدبير إلهي طويل في طريق الهجرة، حيث أخذ الله أبصار المحاصرين، فلم يروا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو خارج حتى وضع التراب على رءوسهم، ولما دخل إلى الغار وأخذ المشركون يبحثون حتى وصلوا إلى الغار، ولكن أخذ الله بأبصارهم، فقال أبو بكر: يا نبي الله، لو أن بعضهم طأطأ بصره رآنا، قال: (ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما) .
ولما سار خلفهم سراقة بن مالك طمعًا فيما فرضته قريش لمن يأتي بالنبي صلى الله عليه وسلم حيًّا أو ميتًّا، قال سراقة: ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين فخررت عنها، فتكرر ذلك حتى علم أن الله يمنعهما منه، فعاد وهو يقول لمن يبحث عنهما: قد كفيتكما هذا الطريق ليبحثا في طريق غيره.
تلك لمحات يسيرة من الحماية القدرية لطريق هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، وإعداده للمدينة لتكون دار الهجرة للمسلمين: (وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ) [يوسف: 21] ، فمن أطاعه سدد خطاه: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا(2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) [الطلاق: 2، 3] ، (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا) [الطلاق: 4] .
والله من وراء القصد.