فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ومن كان عبدًا لشهواته وهواه؛ فإن محبوبات النفس متعددة متفرقة لا يستطيع أن يرضي منها جانبًا إلا كان على حساب الجانب الآخر؛ لا سيما إذا كان يتعامل فيها مع أحياء متعددين، فهناك ذو النفوذ، وهناك الحليلة أو العشيقة، وهناك الولد، وهناك المال والشرف، فكل واحد من هذه الأشياء داعيها في النفس والواقع لا يكل ولا يمل، فهل يجتمع لهذا هم أو يتوحد له مقصد؟
والعابد لله وحده المتجرد عن هواه لابد له أن يتعامل مع هذه الشهوات؛ لكنه تعاملُ الوسيلة لا تعامل القصد والغاية، وفرق بين من يتخذ شيئًا وسيلة ومن يتخذه قصدًا وغاية، فإذا حصلت الغاية لم يبال بأي وسيلة كانت مادامت لا تغضب ربه.
كما أن هذا العابد المتجرد لا يصاب بالشتات والقلق عند تزاحم هذه المحبوبات، فمادام همه ووجهه هو الله وحده، فإنه يقدم أرضاها لله، ولا يحزن ولا يجزع على ما فوته من هذه المحبوبات عند التزاحم ما دام أنه تركها لله وحده.
أما عابد الهوى؛ فهو إن أرضى ذا النفوذ أسخط أهل بيته، وإن أرضاهم أذهب ماله، وإن أراد المحافظة على ماله سخط عليه ذو النفوذ لانشغاله عنه، وإن طاوع معشوقته على كل ما تريد أوشك أن يذهب بجاهه ومكانته عند الناس، وحتى لو كان صاحب الهوى من ذوي النفوذ، فإنه في قلق من أتباعه، أقله احتياجه لبعضهم وخوفه من البعض الآخر.
فأصحاب الهوى في قلق دائم؛ عيون زائغة وقلوب مرتجفة وخطوات أشبه ما تكون بخطوات الأبله المعتوه.
وقد جاءت هاتان الصورتان المتقابلتان في حديث واحد: تعاسة عبد الهوى، وسعادة عبد الله وحده، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد القطيفة وعبد الخميلة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد آخذٍ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه مغبرة قدماه إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع له) .