فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
فالأول عبد الدنيا وشهواتها، والآخر نذر نفسه مجاهدًا في سبيل الله، ترك زهرة الدنيا، فلم يعبأ هل هو في قيادة الجيش أو في مقدمته أو غيرها من الأماكن التي يرى فيها مكانه ويعرف بلاءه، أو هو في الظل خاملُ الذكر لا يُعْرف عند أهل الأرض يؤدي - عند الناس - أقل المهمات وأيسر الأعمال حارسًا أو سائقًا.
وقال صلى الله عليه وسلم: (من كانت الآخرة همَّه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همَّه جعل الله فقره بين عينيه، وفرق عليه شمله، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له) .
وهذا هو سر الطمأنينة والرضا، والاستمتاع حتى بالحياة الدنيا عند الصالحين من عباد الله، لذلك قال قائلهم: لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف.
· الثالث: معرفة طبيعة النفس وحاجتها إلى السلامة:
هذا أساس للنجاح في كل درب؛ فمن عرف نفسه حق المعرفة حملها ما تطيق، فأفلح، وإن كانت الأخرى جنبها الأثقال فسلم، فالنفس البشرية قد جبلت على محبة الشهوات والتعلق بها: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) [آل عمران: 14] ، فإذا علم شيئًا من هذه الفتن يضره كان أعظم حذرًا وأشد حزمًا في تعامله معها.
ألا ترى أن مريضًا علم أن نوعًا من الطعام يزيد من مرضه أو يفضي به إلى هلكة، وهو عظيم المحبة له شديد التعلق به، ويرى أن نفسه مع رؤيته بين عذابين؛ إن أصاب منه فضرر وعاقبة سوء، وإن امتنع عنه فمشقة وإعنات، ألا ترى أن عاقلًا هذه حاله يرى من تمام الحكمة عدم مشاهدة المشتهى، وأن في ذلك كمال الراحة والسرور.
ألم تكن معرفته بحاله وإدراكه لطبيعة نفسه قد أعانته للوصول إلى هذا الموقف الحازم؟