كانت الهجرة مرحلة حاسمة من مراحل الدعوة الإسلامية، أو بالأحرى كانت فاصلًا بين عهدين متمايزين غاية التمايز؛ عهد كان فيه المسلمون بمكة قليلًا مستضعفين في الأرض يخافون أن يتخطفهم الناس، كانوا يُؤذون فيصبرون، ويُظلمون فيغفرون، وكان بعضهم إذا اشتد به الأذى ولم يطق صبرًا على ظلم قومه له خرج إلى الحبشة مهاجرًا، ولم يكن المسلمون في هذه الفترة من القوة والكثرة بحيث يستطيعون أن يقابلوا العدوان بمثله، وكان منهم من يود لو أذن له في القتال، ولكن القرآن ينزل آمرًا لهم بالعفو والصفح، حتى يأتي الله بأمره، فلما كانت الهجرة انبثق فجر عهد جديد، ووجد المهاجرون في مهاجرهم الجديد مراغمًا كثيرًا وسعة؛ إخوانًا من الأنصار ذوي عدة ومنعة، فقويت بذلك شوكة الإسلام، وأصبح مستعدًا لمنازلة الشرك ومجالدته بالسيف، فما أن التقى به في غزوة بدر الكبرى حتى ضربه تلك الضربة الهائلة التي أذلته وأطاحت بكثير من رءوسه، ثم كانت غزوات أخرى انتهت بذلك الفتح المبين والنصر المؤزر، ودخل الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم مكة البلد الحرام يعلن نهاية الشرك ويقرأ: (جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا) [الإسراء: 81] ، ثم بدأت وفود القبائل بعد ذلك تفد من أنحاء الجزيرة تعلن إسلامها وانضواءها تحت لواء الدعوة الجديدة، وكانت الهجرة هي الباب الذي دخل منه المسلمون إلى حياة العز والكرامة والحرية والقوة.