فهرس الكتاب

الصفحة 8772 من 18318

إن الناظر المتأمل في حادث الهجرة العظيم ليجد فيه من العبر ومن كريم المعاني ما يجب أن يكون أسوة حسنة للمسلمين، ودرسًا ماثلًا في أذهانهم يتعلمون منه كيف يكون الثبات على دعوة الحق مهما اشتدت الفتنة وعظمت المحنة، فلقد أُوذي المسلمون بمكة وزلزلوا زلزالًا شديدًا، وأجلبت عليهم قريش بخيلها ورجلها، وسلكت كل سبيل لفتنتهم وردهم عن دينهم، فلم تر منهم إلا الثبات الذي لا يعرف التردد والعزيمة التي لا تقبل النكوص، حتى مات بعضهم تحت سياط العذاب، فما جزعوا لذلك، ولا حملهم على الرجوع عن معتقدهم، ولما أُمروا بالهجرة وفيها ما فيها من فراق الأهل والولد والمال والعشيرة والديار الحبيبة، وكلها أمور تضن بها النفس وتحرص عليها حرصها على الحياة لم يقعدهم ذلك عن الهجرة ولا صرفهم عن تنفيذ ما أُمروا به، بل آثروا حب الله ورسوله والجهاد في سبيله على كل ما هناك من رغبات النفوس وعلائقها، حتى لقد كان الواحد منهم يتعرض له ابنه أو أبوه أو زوجته يريدون تثبيطه عن الهجرة فلا يلتفت إليهم ولا يأبه لتوسلاتهم.

ولا ننسى - ونحن نتكلم عن الهجرة - ذلك الموقف الرائع الذي وقفه الأنصار من إخوانهم المهاجرين، فقد آووهم وواسوهم وأكرموا وفادتهم، وآثروهم على أنفسهم مع ما بهم من خصاصة، حتى أزالوا من نفوسهم ألم الاغتراب، وأشعروهم أنهم في ديارهم وبين أهليهم.

فهل آن للمسلمين أن يحسنوا الاقتداء بأسلافهم في هذه الأعمال المجيدة وقد تألبت عليهم دول البغي والاستعمار، تمعن في إذلالهم وتفنن في الكيد لهم وتوسعهم في ديارهم قتلًا وتنكيلًا.

هل آن لهم أن يحققوا فيما بينهم تلك الأخوة الرحيمة التي انتصر بها أسلافهم، وأن يسترخصوا أنفسهم وكل عزيز لديهم في سبيل عزة الإسلام ونصره، وأن يستهينوا في سبيل تلك الغاية الكريمة بكل ما يصيبهم من ألم وجهد إنهم إن فعلوا ذلك كانوا صادقين في احتفالهم بالهجرة، وكان لهم في رسول الله وصحابته أسوة حسنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت