وقد لاحظ بعض العلماء من هذه الآية ملاحظة لطيفة فقال: قوله تعالى: (وَءَاتُوا النِّسَاءَ) * هذا خطاب للأزواج؛ لأنهم المخاطبون قبلُ في قوله تعالى: (فَانْكِحُوا) ، فأمرهم بالنكاح، ثم أمرهم بإيتاء النساء المنكوحات صدقاتهن، وسمى الله تعالى الصداق نحلة، أي: عطية أو هبة أو هدية، فتعين على كل من أراد الزواج أن يعطي امرأته عطية، وتعين على المرأة قبولها، وليس لها ولا لوليها رفض هذه العطية لقلتها، ولا تقديرها ابتداء، فالزواج ليس بيعًا ولا شراء، ولكنه رباط مقدس لاستمرار الحياة وتبادل المنافع، وللتراحم والتآلف والحب، والبيع والشراء مظنة المساومة والمشادّة والمناورة والغش والخديعة، والحلف الكاذب، ولا يجوز أن يكون عقد النكاح كذلك، ولذلك سُمَي المهر نحلة؛ أي عطية وهدية وهبة؛ لأن الهدية والعطية تكون بين الأحباب، وتكون عن طيب خاطر، ورضا نفس، بخلاف البيع والشراء، وما دام المهر هدية أو عطية، فإن الإسلام لم يحدد قيمة المهر قلةً أو كثرة، وإنما ترك ذلك للأزواج، يدفعون للنساء ما يقدرون عليه دون كلفة أو مشقة، أو إرهاق أو استدانة، ولكنه ندب إلى التيسير والتخفيف، وكره المغالاة التي تكلف الرجل ما لا يملك.
عن عقبة بن عامر، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (خير النكاح أيسره) (1) .
وعن عائشة، رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من يُمْن المرأة تيسير خِطبتها، وتيسير صداقها، وتيسير رحمها) (2) .
وكان النبي صلى الله عليه وسلم ينكر على من غالى في المهر وكلف نفسه ما ليس عنده.