فالقرآن الكريم جمع في خلافة أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، والصحابة متوافرون في مصحف واحد، ثم نُسخ في خلافة عثمان، رضي الله عنه، والصحابة يشهدون ذلك؛ فضلًا عن أن عثمان، رضي الله عنه، أرسل إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف، ثم نردها إليك، وإنما فعل ذلك عثمان؛ لأن الناس اختلفوا في القراءات بسبب تفرق الصحابة في البلدان، ونقل القرآن عنهم فقرأ كل قوم بالحرف الذي سمعوه من الصحابي الذي علمهم، فلما التقوا في غزوة أرمينية قرأت كل طائفة بما ورى لها، وذلك لأن المسلمين رأوا حياتهم في القرآن ونصرهم في عبادة ربهم بالصلاة والتهجد، فكانوا بالليل رهبانًا وبالنهار فرسانًا، فلما ظهرت قراءتهم للقرآن وقد تجمعوا من أمصار مختلفة كل تلقى من حرف الصحابي الذي أقرأهم، اختلفوا وتنازعوا، فأشفق حذيفة مما رأى منهم، فقدم المدينة ودخل على عثمان قبل أن يدخل بيته، فقال له: أدرك الأمة قبل أن تهلك، قال: فيما ذا؟ قال: في كتاب الله، ثم قال: إني حضرت هذه الغزوة، وقد جمعت ناسًا من العراق والشام والحجاز، فوصف الحال التي كانوا عليها من التنازع في القراءة، ثم قال: إني أخشى عليهم أن يختلفوا في كتاب الله كما اختلف اليهود والنصارى.
وينبغي لنا أن نتدبر كيف أن الله أظهر هذا النزاع المبكر وألهم الصحابة ألا يسكتوا عليه حتى يجمعوا الناس على رسم واحد للمصحف ويقرءوا بكل حرف وافقه ويستمر الأمر معهم، فلا يبقى من الأحرف إلا ما وافق ذلك الرسم، والحمد لله تعالى على ذلك الخير العميم.
أيها القارئ الكريم: نكتفي بهذه الإشارة حول جمع القرآن، وسوف يصدر هذا البحث - إن شاء الله تعالى - في رسالة خاصة، ونلفت الانتباه إلى أن سؤالًا بهذا العدد يتعلق بالموضوع فاحرص عليه.
وكتبه: محمد صفوت نور الدين