ورغم أن هذا الفكر قريب التناول، ومن يتمسك به ويدافع عنه ما هم إلا علماء وقادة، نبعوا من هذه البيئة، وأدركوا واجبهم نحو خالقهم وما أمرهم به، لم يتبعوا أيًّا من الأفكار العديدة المتصارعة على وجه الأرض، بل صمدوا في وجه تيارها حمية لله، ودفاعًا عن دينه، فجاء من يحمل فكرًا وافدًا لمآرب وغايات ليطمس الحق، ويلبسه الباطل، ولكن الله متمّ نوره، ظانين أن الفكر عندما يغلف يمكن الاختفاء به كالبضاعة، وإذا كان العقل البشري والرغبات الشخصية للناس في مساكنهم ومراكبهم، وشتى أنواع استعمالاتهم يقبلون متابعة كل جديد من المخترعات والمصنوعات مهما كانت فلأن المهتمين بها يريدون مكسبًا ماديًّا تزيد به بضاعتهم، وتنمو مصانعهم وشركاتهم، فإنه يحق لهم بذلك أن يجددوا، بل أخضعوا جزءًا كبيرًا من مواردهم لهذا الغرض، فكرًا وعملًا، رغبة في السيطرة على أذهان المنهكين، وابتزاز أكبر قدر من مواردهم، ومنافسة لمن يشابههم في الصنعة، لكن الفكر لا يخضع لهذه المقاييس والمزايدات؛ لأن ما يشتمل عليه هذا الفكر من حرص على تبني الوافد، يجب تمحيصه وعرضه على الفكر السليم، لغربلته وإدراك مساوئه، حيث إن للمسلم منطلقًا في كل أمر من أمور حياته، يرشده لما هو صحيح، ويباعده عن كل ما لا خير فيه، فينظر في هذا الفكر، كما ينظر في البضاعة، فيأخذ بالسليم، وينفي السقيم.
والأفكار الوافدة، وإن كان ملمسها لينًا، فإنها ذات أهداف عديدة: قريبة وبعيدة، ولذا يجب نبذها والعودة إلى المحك الذي توزن به الأمور في عقيدة المسلم، كما أخبر صلى الله عليه وسلم في وصيته لأمته، عندما طلب منه الصحابة الوصية، فقال: (عليكم بالسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد، وقد تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي) .